بين عشية وضحاها، تحول توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، إلى شخصية محورية في عناوين الأخبار والتقارير التي تتناول المناقشات الدولية حول مستقبل غزة ما بعد الحرب، حيث يُنظر إليه اليوم كوسيط ذي خبرة واسعة في المنطقة.
وفقًا لصحيفة التليجراف البريطانية، وبالفعل، شارك بلير في اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر من أجل مناقشة خطط إعادة الإعمار والحوكمة في غزة.
وذكرت صحيفة نيوزيلاند هيرالد أن هذا الاجتماع عكس "هوس" بلير بحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، كما وصفه زملاؤه، مستندًا إلى دوره السابق كمبعوث للشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا بين عامي 2007 و2015.
ويأتي ذلك في سياق جهود بلير من خلال معهده للتغيير العالمي (TBI)، الذي يضم أكثر من 800 موظف ويحقق إيرادات تصل إلى 145 مليون دولار، مع مكاتب في أبو ظبي والرياض وواشنطن.
وتركز رؤية بلير على تحويل غزة إلى نسخة حديثة في قالب مدينة عصرية، وهي فكرة تتفق مع آراء إسرائيل وأمريكا.
ويعتمد بلير على استطلاع رأي أجراه TBI بين أبريل ومايو 2025 من خلال مقابلات وجهًا لوجه في غزة، حيث أعرب 27% من المستطلعين عن تفضيلهم لنمط دبي، تليها تركيا بنسبة 15%، وسنغافورة بنسبة 14%، والسعودية بنسبة 12%. كما أظهر الاستطلاع انخفاض دعم حماس إلى أقل من 4%، مع تراجع الدعم لـ"المقاومة المسلحة".
ولم يغفل بلير في البيت الأبيض أهمية دعم الخطة المصرية التي وافقت عليها جامعة الدول العربية في مارس 2025، والتي تقدر تكلفتها بـ53 مليار دولار (39 مليار جنيه إسترليني)، وتهدف إلى إعادة بناء غزة في خمس سنوات فقط، بما في ذلك أبراج شاهقة، وحدائق، وموانئ، ومناطق أعمال، ومطار دولي، دون نقل السكان الفلسطينيين.
وتشمل الخطة المصرية ثلاث مراحل تمتد على خمس سنوات، حيث يشرف مجموعة من التقنوقراطيين الفلسطينيين المستقلين، بدعم من صندوق دولي وسلطة فلسطينية، على إعادة التطوير.
وعلى الرغم من أن الإجماع بات نادرًا على أي قضية بالشرق الأوسط، إلى أن الشيء الوحيد الذي يجمع عليه القادة الغربيين هو أن حركة حماس لن تلعب دورًا مباشرًا في الحوكمة أو الأمن، بشرط أن توافق إسرائيل على خارطة طريق لدولة فلسطينية مستدامة.
وتقدم مصر والأردن تدريبًا للشرطة الفلسطينية ونشرها في غزة، مع دعوة مجلس الأمن الدولي لتفويض بعثة حفظ سلام حتى اكتمال الإعمار.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الخطة تتجنب فكرة نقل السكان التي اقترحها ترامب سابقًا، والتي شملت إجلاء مليوني فلسطيني مؤقتًا أثناء البناء، وهو اقتراح أثار مخاوف إنسانية وأوروبية بشأن هجرة غير نظامية جديدة إلى أوروبا.
يؤكد TBI أن عملهم يركز على بناء غزة أفضل لسكانها، دون دعم أي نقل قسري.
يستمد بلير خبرته من اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 في أيرلندا الشمالية، الذي ساهم فيه كرئيس وزراء، ويشبه الصراع هناك بالوضع في فلسطين، مع مبادئ مثل مشاركة السلطة والموافقة الشعبية والنزع السلاح.
يُعتقد أن بلير يساعد في تهيئة صفقة تشمل جذب استثمارات عربية تصل إلى 2 تريليون دولار للولايات المتحدة، كما حدث في جولة ترامب في مايو 2025 إلى السعودية وقطر والإمارات. كما يعتمد على علاقاته مع كوشنر، مهندس اتفاقات أبراهام التي طبعت العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية.
ومع ذلك، يواجه بلير انتقادات حادة، حيث علق بعض الخبراء على دوره بعبارة "الله يعيننا"، مستذكرين سجله في العراق، واتهم معهده بالتورط في مشاريع مثل "ترامب ريفييرا" التي اقترحت نقل نصف مليون فلسطيني مقابل 9 آلاف دولار للفرد، ووصفت الحرب بـ"فرصة في القرن".
تواجه الخطة عقبات كبيرة، بما في ذلك رفض حماس لنزع سلاحها رغم قبولها بالتنحي عن الحكم، وهو أمر يشبه إقناع الجيش الجمهوري الإيرلندي بوضع أسلحته "خارج الاستخدام" في أيرلندا.
كما يعارض بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، قيام دولة فلسطينية، وهو موقف يمتد طوال حياته السياسية. يُضاف إلى ذلك رفض ترامب الأولي لخارطة طريق فلسطينية، ومخاوف من تورط أمريكي في جرائم حرب إذا استمرت الحرب، كما عبرت عنها النائبة مارجوري تايلور جرين.
على الرغم من ذلك، يُرى في بلير قدرة على الوساطة، كما في جمع إيان بايسلي وجيري آدامز، وقد يقنع ترامب، الذي يسعى لجائزة نوبل واستثمارات عربية، بتبني الخطة كخاصة به، مع الضغط على نتنياهو لقبول سلام مدعوم أمريكيًا، ربما مقابل إسقاط مذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية ضده. ومع ذلك، تثير الخطط انتقادات حول استبعاد الفلسطينيين من المناقشات وطابعها "الاستعماري".
وتمثل خطط بلير محاولة لكسر الجمود في الشرق الأوسط من خلال دمج رؤية اقتصادية طموحة مع عملية سلام مستدامة، مستفيدة من التوافق العربي والدعم الأمريكي.
ومع ذلك، يظل التحقق منها معلقًا على تجاوز العقبات السياسية والأمنية، وسط مخاوف من أن تكون مجرد أحلام بعيدة المنال في ظل الدمار الإنساني الحالي في غزة، حيث يواجه الأطفال خطر الجوع بسبب قيود إسرائيل على المساعدات. يُبرز هذا الدور استمرار تأثير بلير في السياسة الدولية، رغم الجدل المحيط به.