اقرأ في هذا المقال
- الطاقة خصوصًا الغاز تمثّل المحرك الحقيقي لزيارة الرئيس الروسي إلى بكين
- واردات الصين من الغاز المسال تشهد ارتفاعًا ظاهريًا
- واردات الصين من النفط الروسي انخفضت بنسبة 11% هذا العام
- صادرات الطاقة الروسية تتجه شرقًا ولكن بشروط صينية
تترقّب علاقات الطاقة الروسية-الصينية نتائج الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، التي ستتطرّق إلى ملفات مهمة.
وعند وصول الرئيس الروسي إلى الصين في 31 أغسطس/آب 2025، في زيارة دولة تستغرق 3 أيام ستكون رمزية الزيارة واضحة.
نادرًا ما يُخصّص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا العدد الكبير من الأيام لشريك أجنبي واحد.
وإلى جانب الاستعراض الاحتفالي لقمة منظمة شنغهاي للتعاون والتأكيدات التقليدية على التوافق السياسي، سيكون المحرك الحقيقي للزيارة هو الطاقة.
علاقات الطاقة بين روسيا والصين
تدخل روسيا عامها الثالث من إعادة توجيه اقتصادها وتجارتها بعد قطيعتها مع أوروبا، وتُعد الصين المشتري الوحيد المحتمل لها.
رغم ذلك، فإن بكين ليست متسرعة، إذ ترى أن العلاقة مع روسيا تُعدّ رصيدًا إستراتيجيًا يجب تنميته بعناية وإدارته بواقعية، والاستفادة منه لتحقيق أقصى استفادة.
وتكشف الخلفية الإحصائية عن الوعود والضغوط في آنٍ واحد؛ بعد مضاعفة حجم التجارة الثنائية 3 مرات في 3 سنوات. انخفض حجمها بنسبة 8% على أساس سنوي في الأشهر الـ7 الأولى من عام 2025 ليصل إلى 125.8 مليار دولار.
ويُعزى معظم هذا الانخفاض إلى قطاع الطاقة، فقد انخفضت شحنات النفط بنسبة 11%، والمنتجات المكررة بنسبة 28%، والغاز المسال بنسبة 13%، والفحم بنسبة 10%.
ولم يرتفع سوى غاز الأنابيب بنسبة 23%، ويُظهر هذا الرقم المفرد أين يقع مركز الثقل حاليًا، إذ يُمثل غاز الأنابيب قطاع النمو، في حين يظل كل شيء آخر هشًا ومتقلبًا ومعرضًا للمخاطر السياسية.

الغاز.. ساحة التفاوض المركزية
أصبح الغاز الرابط الأساسي الذي يربط موسكو ببكين، وقد شهد مشروع "باور أوف سيبيريا 1"، الذي بدأ تشغيله عام 2019، نموًا مطردًا، وهو في طريقه إلى إيصال كامل قدرته الاستيعابية البالغة 38 مليار متر مكعب بحلول عام 2025.
من جهة ثانية، يُكمل مسارٌ آخر في الشرق الأقصى من المتوقع أن يضيف 10 مليارات متر مكعب بحلول عام 2027، هذا التدفق.
تُرسّخ هذه الأنابيب توجه روسيا شرقًا، وتُزوّد بكين بإمدادات موثوقة وبأسعار مُخفّضة، بمعزل عن تقلبات أسواق الغاز المسال العالمية.
وسيُسلّط بوتين الضوء على هذه الإنجازات كونها دليلًا على أن هذا التوجه حقيقي ولا رجعة فيه.
مشروع باور أوف سيبيريا 2.. الوعد والطريق المسدود
من المرتقب أن ينقل مشروع "باور أوف سيبيريا 2" ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب سنويًا من غرب سيبيريا إلى شمال الصين عبر منغوليا، وهو قيد المناقشة منذ أكثر من عقد.
وأنهت منغوليا تقييمها البيئي ووقّعت مذكرات تعاون، ما يشير إلى استعدادها لاستضافة خط أنابيب سويوز فوستوك العابر.
رغم ذلك، ما يزال المشروع رهينة للنزاع التجاري الجوهري: التسعير والتمويل.
وبدورها، تُعد الصين متحكمة في جميع الأوراق، فمع استمرار ارتفاع أسعار الغاز المسال الفورية مقارنةً بالمعايير التاريخية، تتمتع بكين بمساحة للتفاوض، لكنها ليست مُلزمة بالتحرك بسرعة.
لسنوات، طالب المفاوضون الصينيون بخصومات كبيرة، مُصرّين على أن يكون سعر الغاز الروسي أقل بنسبة 25 إلى 28% مما يدفعه المشترون الأوروبيون المتبقون، ومطالبين أحيانًا بتحقيق تكافؤ شبه محلي.
وعلى القدر نفسه من الأهمية، رفضت بكين الالتزام برأس المال، مُفضّلةً أن تُموّل روسيا أكثر من ألفي كيلومتر من البنية التحتية الجديدة المطلوبة.
وتُقابل موسكو بمطالب بربط المشروع بالنفط، وببعض الاستثمارات الصينية على الأقل لتقليل مخاطره.
وقد تُسفر القمة الروسية-الصينية عن إعلان نيات سياسية: تأكيد المسار المنغولي، وإعادة تأكيد هدف الـ50 مليار متر مكعب، وتوجيهات للمفاوضين بتسريع الجدول الزمني.
وهذا لن يُفضي إلى قرار استثماري نهائي، فالعقود التجارية ما تزال شديدة الوطأة، وسيأتي "بوتين" ساعيًا للحصول على التزامات؛ وسيُقدّم "شي" رمزيةً ونفوذًا.

الممر الإيراني-الأذربيجاني
على الرغم من تَصدُّر مشروع "باور أوف سيبيريا 2" عناوين الأخبار، استكشفت موسكو بهدوء بدائل لتنويع تدفقات الغاز جنوبًا.
وتهدف المفاوضات مع إيران وأذربيجان منذ عام 2024 إلى استعمال خطوط الأنابيب الحالية للمبادلات: سيمر الغاز الروسي عبر أذربيجان إلى شمال إيران، حيث يبلغ الطلب ذروته في الشتاء، ما يتيح تصدير كميات إيرانية إلى أماكن أخرى.
وقد تبدأ التدفقات الأولية التي تبلغ نحو 1.8 مليار متر مكعب سنويًا قريبًا، مع طرح طموحات أكبر -تصل إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا- بوصفها هدفًا طويل الأجل.
من ناحية ثانية، فإن التوسع إلى هذا المستوى يتطلّب بنية تحتية جديدة ضخمة وصيغ تسعير معقدة تعتمد على تكافؤ القيمة الحرارية مع النفط، وهو مجال تفتقر فيه إيران إلى المعدات والممارسات اللازمة لقياسه بدقة.
وبالتالي، يتمتع الممر بأهمية إستراتيجية ولكنه محدود عمليًا، ما يشير إلى أن روسيا لديها خيارات، لكنها لا تستطيع حاليًا استبدال مشروع "باور أوف سيبيريا 2".
الغاز المسال.. وهم النمو
تشهد واردات الصين من الغاز المسال ارتفاعًا ظاهريًا، ومن المتوقع أن يسجل أغسطس/آب 2025 زيادة شهرية رابعة على التوالي عند 6.04 مليون طن.
رغم ذلك، يُخفي هذا ضعفًا مستمرًا؛ فعلى مدار 11 شهرًا متتالية، انخفضت الواردات عن الشهور نفسها من العام السابق، وهذا ليس انتعاشًا، بل انعكاس لتعديلات موسمية مؤقتة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن سعر الغاز المسال الفوري المُسلّم إلى شمال آسيا ما يزال أعلى من 11 دولارًا أميركيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وبالنسبة إلى شركات المرافق الصينية، فإن العتبة التنافسية أقرب إلى 9-10 دولارات أميركية.
وكلما ارتفعت الأسعار فوق 10 دولارات أميركية، أصبح الغاز المسال غير تنافسي مقارنةً بالإنتاج المحلي وواردات خطوط الأنابيب.
وفي الوقت نفسه، يضمن الطلب الأوروبي المستمر لإعادة بناء مرافق التخزين والطلب الموسمي في اليابان وكوريا الجنوبية بقاء سعر الغاز الفوري "ثابتًا"، ما يُزاحم الصين والهند فعليًا في السوق.
وهذا يُشكّل مفارقة بالنسبة إلى روسيا، فمشروعاتها للغاز المسال في القطب الشمالي التي تخضع لضغوط العقوبات، تحتاج إلى مشترين مضمونين.
وتُعد الصين، المرشح المنطقي، غير مستعدة للالتزام طالما ظلّت أسعار الغاز المسال غير جذابة.
وبالنسبة إلى بكين، تُعزّز هذه الديناميكية منطق غاز الأنابيب: مستقر، ومُخفّض السعر، ومنفصل عن أسعار العقود الفورية المتقلبة.
أما بالنسبة إلى موسكو، فتبرز أهمية مشروع "باور أوف سيبيريا 2"، ما لم تتمكن روسيا من تأمين عملاء آسيويين آخرين على المدى الطويل لغازها المسال، مثل الهند.

النفط والفحم.. خيار إستراتيجي
كان النفط الروسي يتصدّر عناوين الأخبار في الماضي، أما اليوم، فقد أصبح مجرد ظلٍ لما كان عليه في المعادلة الصينية-الروسية.
وقد انخفضت واردات الصين من النفط الروسي بنسبة 11% هذا العام، في حين انخفضت المنتجات المكررة بنسبة 28%.
ويُعدّ خطر الامتثال أكبر من الخصومات، إذ تُفضّل الشركات المملوكة للدولة والبنوك ذات الأهمية النظامية توخي الحذر بدلًا من المخاطرة بعقوبات ثانوية، وقد تتعمّق الخصومات، لكن المخاطر السياسية تحدّ من نطاقها.
من جهته، يُشير الفحم إلى قصة مماثلة، إذ انخفضت الواردات بنسبة 10% في النصف الأول من العام، ما فاقم أزمة قطاع الفحم الروسي، الذي بدأ يفقد حصته في السوق الصينية في عام 2024.
وترغب موسكو في تثبيت أحجام المبيعات، ومن غير المرجح أن تُقدّم بكين التزامات مُلزمة، وبدلًا من ذلك، ستشتري بصورة انتهازية، مستفيدةً من الخصومات عند توافرها ومُخفّضةً أحجام المبيعات عند عدم توافرها.
في الوقت نفسه، تُجري الصين تحوّطًا عالميًا، وفي أغسطس/آب 2025، أعلنت شركة صينية خاصة استثمارًا يزيد على مليار دولار في حقول النفط الفنزويلية، بهدف مضاعفة الإنتاج 4 مرات بحلول عام 2026.
ويُظهر هذا قدرة بكين على تنويع مصادر وارداتها بعيدًا عن الإمدادات الروسية، ويعزّز موقفها التفاوضي. وبالنسبة إلى موسكو، فإن الرسالة واضحة: الصين قادرة على الانتظار.
الخدمات المصرفية والمدفوعات.. العائق الخفي
لعلّ المشكلة الأشدّ تعقيدًا لا تكمن في خطوط الأنابيب أو الشحنات، بل في الأنظمة المصرفية.
منذ عام 2023، تعرّضت المؤسسات المالية الصينية لضغوط أميركية وأوروبية متصاعدة، وقلّصت معظم البنوك الكبرى أو أوقفت أعمالها المتعلقة بروسيا.
ولم يبقَ سوى عدد محدود من البنوك الإقليمية التي تُجري عمليات الدفع، وأصبح فرع بنك "في تي بي" (VTB) في شنغهاي، الفرع المصرفي الروسي الوحيد في الصين، عائقًا يُعاني طوابير طويلة وتأخيرات لأسابيع.
ولم يحلّ التحوّل إلى التسويات بالعملات الوطنية المشكلة، فالبنوك الصينية تُدقّق حاليًا، في رموز الجمارك والفواتير بدقة متناهية، لدرجة أن أيّ اختلاف بسيط في التطابق قد يُؤدي إلى رفضها.
وقد تستغرق المدفوعات أسابيع أو أشهرًا، ما يُقوّض موثوقية تدفقات التجارة. وبالنسبة إلى السلع الأصغر حجمًا، لجأت الشركات الروسية إلى الأسواق الإلكترونية، والتحويلات بين الأقران، وحتى العملات المشفرة.
ولا يمكن لهذه الآليات أن تدعم تجارة الطاقة التي تُقدّر بمليارات الدولارات؛ ومن المرجح أن تتناول القمة الصينية-الروسية هذه القضايا بهدوء.
في العلن، قد لا يُقال الكثير، أمّا في الخفاء، فقد يتفق المسؤولون على قنوات تسوية مُحكمة، وأنظمة شبكية ثنائية مُوسعة، وبنوك مقاصة مُخصصة، أو استعمال محدود لشبكة "سي آي بي إس" (CIPS) الصينية.
ويتمثّل الهدف من ذلك في تقليل التأخير وحماية تدفقات الطاقة من الاضطرابات المالية، ولكن دون استفزاز واشنطن بتصريحات علنية.

نظرة إستراتيجية
لن تُسفر القمة عن اختراقات شاملة، بل ستُقدم رمزية مُرتبة بعناية ومكاسب عملية متواضعة.
وسيُؤكد الرئيسان "بوتين" و"شي" التزامهما بمشروع "باور أوف سيبيريا 2"، ويحتفلان ببدء تشغيل مشروع "باور أوف سيبيريا 1"، ويُسلطان الضوء على التنويع الاقتصادي عبر إيران وأذربيجان.
وقد يُعلنان تقدمًا تقنيًا في تسويات الطاقة، وإن كانت التفاصيل ستظل غامضة.
وسيستمر تدفق النفط والفحم بصورة انتهازية، مُقيّدًا بالعقوبات والطلب، وسيظل الغاز المسال غير جذاب حتى تنخفض أسعاره.
ويمثّل الواقع الهيكلي الأعمق ترابطًا غير متكافئ، إذ تحتاج روسيا إلى الصين كونها مشتريًا وممولًا.
وعلى الرغم من أن الصين تُرحّب بقبول الطاقة بأسعار مُخفضة، فإن لديها بدائل وفيرة وحوافز ضئيلة للمُبالغة في عرض نفسها.
وتميل جميع المفاوضات -من مشروع "باور أوف سيبيريا 2" إلى القنوات المصرفية- لصالح بكين، وكلما اشتدت العقوبات وأغلقت الأبواب الأوروبية، ازداد نفوذ الصين.
بالنسبة إلى موسكو، تُمثّل هذه القمة فرصة لإثبات أن روسيا قد ضمنت منفذًا شرقيًا مستقرًا.
وبالنسبة إلى بكين، تُمثّل هذه فرصةً لانتزاع المزيد من الخصومات وضمان استمرار التكامل وفق شروطها.
ولن يُحدد مستقبل تدفقات الطاقة الأوراسية في اجتماع واحد، لكن معالمها واضحة: خطوط الأنابيب تحل محل الغاز المسال، والمدفوعات تنتقل إلى ممرات ثنائية غامضة، وروسيا تعتمد بصورة متزايدة على حسن النية الصينية، ولن يختفي هذا التفاوت؛ بل سيُحدد صورة العلاقة.
الخلاصة..
ستُذكر قمة الرئيسَيْن "بوتين" و"شي" في أواخر أغسطس/آب 2025، ليس لبياناتها السياسية، وإنما لإعادة هندسة خريطة الطاقة في منطقة أوراسيا بدقة.
وستخرج روسيا بوعود ورموز، وبعض التسهيلات في المدفوعات.
وستخرج الصين بمزايا: غاز أرخص، وخيارات متنوعة، وحماية من مخاطر العقوبات.
والاتجاهات واضحة، إذ تتجه صادرات الطاقة الروسية شرقًا بصورة لا رجعة فيها، ولكن بشروط لا تُحدد في موسكو، وإنما في بكين.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..