أخبار عاجلة
حقيقة تدريب تشافي للأهلي عقب رحيل ريبيرو -

الذكاء الاصطناعي في مواجهة التلوث.. من الرصد الذكي إلى السياسات الفعّالة (مقال)

الذكاء الاصطناعي في مواجهة التلوث.. من الرصد الذكي إلى السياسات الفعّالة (مقال)
الذكاء الاصطناعي في مواجهة التلوث.. من الرصد الذكي إلى السياسات الفعّالة (مقال)

يشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مواجهة التحديات البيئية المعقّدة، وعلى رأسها مكافحة الملوثات في الهواء والماء والتربة والأنظمة الصناعية.

وبسبب تنوُّع مصادر التلوث وتشابكها مع أنماط الطاقة والنقل والمدن، باتت الأدوات التقليدية أقل قدرة على مجاراة سرعة التغير واتّساع النطاق.

ويقدّم الذكاء الاصطناعي قيمة مضافة بفضل تحليل البيانات الضخمة والنمذجة التنبؤية والتعلم من الأنماط في الزمن المناسب، مما يسمح بتدخلات أدقّ وأسرع وأكثر كفاءة.

وتتناول هذه الصياغة أبرز استعمالاته، والتحديات التي تعترض تطبيقه، وسبل معالجتها ضمن إطار تقني ومؤسسي عادل ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومكافحة ملوثات الهواء

يعتمد تحسين جودة الهواء على دمج بيانات متعددة: محطات الرصد الثابتة، وحساسات منخفضة التكلفة داخل المدن، وصور الأقمار الصناعية لمؤشرات PM2.5 وPM10 وNO2 وSO2 وO3، وبيانات المرور والطقس.

توظّف نماذج التعلم العميق والمكان-زمان لتوقّع مستويات التلوث على مستوى الأحياء ولساعات أو أيام مقبلة، ما يمكّن الجهات المختصة من إطلاق تنبيهات صحية وتطبيق إجراءات استباقية كتنظيم حركة المركبات وتعديل جداول النقل العام.

كما تُستعمَل تقنيات إعادة البناء المكاني لسدّ فجوات القياس، وإنشاء خرائط دقيقة للنقاط الساخنة، وتفكيك بصمات المصادر لفصل إسهامات النقل والصناعة والطاقة وحرق المخلّفات والعواصف الغبارية.

وتُحسّن الخوارزميات إدارة المرور بتنسيق الإشارات وتوجيه المركبات ديناميكيًا وتقليل التكدُّس، في حين ترصد أنظمة الرؤية الحاسوبية والانحرافات الشاذة الانبعاثات الصناعية والتسربات، وتفعّل الصيانة التنبؤية لمنع الأحداث الطارئة.

تلوث الهواء

الذكاء الاصطناعي لمكافحة ملوثات المياه

في قطاع المياه، يتيح الذكاء الاصطناعي اكتشافًا مبكرًا للتلوث عبر تعلّم الأنماط الطبيعية لجودة المياه في شبكات الإمداد ومحطات المعالجة، والتقاط الانحرافات الدقيقة قبل وصولها للمستهلك أو الأنظمة البيئية.

وتساعد رؤية الحاسوب على تحليل صور الأقمار الصناعية والاستشعار الطيفي لرصد الطحالب الضارّة والعكارة والكلوروفيل والبقع النفطية عبر مساحات واسعة.

وفي التشغيل، تدعم نماذج الدمج الهيدرولوجي-البيئي تحديد مصادر الملوثات في الأحواض وتوجيه الإنفاذ والاستثمار.

وفي المدن، تعثُر خوارزميات الكشف عن التسرب على مواقع الفواقد، وتحدّ من تقلبات الضغط التي قد تسمح بدخول الملوثات.

إدارة التلوث في التربة والنفايات والأنظمة الصناعية

تمكّن النماذج التنبؤية من تقدير تركيزات المعادن الثقيلة والمركبات العضوية في التربة، بالاعتماد على المسوح الجيوكيميائية والاستشعار القريب NIR/MIR.

وتوصي الأنظمة الذكية بمزيج معالجات ملائم للموقع (كالتحلل الحيوي والمعالجة النباتية والغسل) مع ضبط تكيّفي للرطوبة والحرارة والمغذيات لتعظيم الإزالة.

في إدارة النفايات، تحسّن الخوارزميات مسارات الجمع وتوقُّع الأحمال وكشف الرمي غير القانوني، وتزيد أنظمة الرؤية دقة فرز المواد لرفع معدلات إعادة التدوير.

كما يحدّ إنترنت الأشياء الصناعي المُدمج بالذكاء الاصطناعي من الفاقد والانبعاثات عبر مراقبة مؤشرات الأداء البيئي في الزمن الحقيقي.

الرقابة البيئية والامتثال التشريعي

تسهم حلول الذكاء الاصطناعي في تحسين سجلات الانبعاث الوطنية عبر التحقق التبادلي بين مصادر البيانات واكتشاف التناقضات وتقدير الانبعاثات غير المُبلّغ عنها بناءً على بصمات الأقمار الصناعية والمعطيات التشغيلية.

ويسمح الدمج بين الرصد الفضائي والميداني بإصدار إنذارات مبكرة عند تجاوزات الانبعاث أو التصريف، ما يسرّع الاستجابة ويعزز المساءلة.

كما تمكّن نماذج المحاكاة الديناميكية المُغذّاة ببيانات حية من تقييم الأثر البيئي للمشروعات باستمرار وتحديث تدابير التخفيف وفق الأداء الفعلي، بدلًا من الاعتماد على تقارير ثابتة.

البعد الاجتماعي والاقتصادي والعدالة البيئية

تُحسّن خرائط التلوث عالية الدقة القدرة على رصد الفوارق في التعرض بين الأحياء والمناطق، ما يتيح سياسات تصحيحية موجهة للفئات الأكثر تضررًا.

وتُحقق الأنظمة الذكية وفورات عبر التحكم التنبؤي والصيانة الاستباقية وتوجيه التدخلات نحو الأكثر تأثيرًا، مع تحسينات صحية عامة ملموسة.

كما تعزز أدوات الإبلاغ الجماهيري وتطبيقات الهواتف -المسنودة بتحليلات ذكية- مشاركة المواطنين في رصد المخاطر والإبلاغ عن الروائح والمخالفات، بما يدعم الشفافية والثقة.

الذكاء الاصطناعي

تحديات جودة البيانات والتحيز

يواجه التطبيق الواقعي فجوات في البيانات، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ما يقلّل دقة النماذج.

وتؤدي اختلافات الأجهزة وتكرار القياس والمعايرة إلى تباينات تتطلب تنظيمًا ومعايرةً معقَّدَين.

كما يتجلى تحيُّز مكاني واجتماعي نتيجة تمركُز الحساسات في مناطق حضرية أو ميسورة، إضافة إلى ندرة البيانات الموسومة عالية الجودة لتصنيف الظواهر مثل بقع النفط وتحديد مصادر الانبعاث.

قابلية التفسير والشفافية:

تميل النماذج الأعلى دقة إلى كونها صناديق سوداء يصعب تفسير قراراتها لغير المختصين وصنّاع السياسات، ما قد يُضعف الثقة والقبول العام والشرعية القانونية للإنذارات.

وتبرز الحاجة إلى آليات شرح واضحة تبيّن دوافع التنبؤات وتفسِّر الغموض.

التعميم ونقل النماذج عبر السياقات:

لا تتعمم النماذج المُدرّبة في مدينة -بالضرورة- على أخرى، بسبب اختلاف الطقس والطبوغرافيا ومزيج المصادر.

كما تتغير أنماط الانبعاث والاستهلاك بمرور الزمن، ما يسبّب انجراف البيانات ويستلزم تحديثات مستمرة.

البنية التحتية التقنية والأمن السيبراني:

تتطلب النماذج المكانية-الزمانية المعقّدة موارد حوسبة وتخزين مرتفعة، في حين تُعرّض شبكات الاستشعار وأنظمة التحكم الصناعية لهجمات سيبرانية قد تُفسد البيانات أو تعطِّل العمليات الحيوية.

ويقتضي ذلك تصميمًا آمنًا منذ البداية، وإجراءات صارمة للحماية وكشف التلاعب واستمرار الأعمال.

الحوكمة والتنظيم:

يعوق غياب المعايير المشتركة بين الجهات تكامل البيانات وتبادلها.

كما يحتاج الاعتماد القانوني على قرارات خوارزمية في الإنفاذ إلى إطار واضح يحدد المسؤوليات والمساءلة وآليات الاعتماد والاعتراض.

الجدوى الاقتصادية والاستدامة المالية:

تُمثّل تكاليف إنشاء الشبكات وشراء البيانات وبناء القدرات والصيانة تحديًا، خصوصًا للمدن الصغيرة.

وكثيرًا ما تتوقف المشروعات التجريبية عند انتهاء التمويل الأولي لغياب آليات تمويل طويلة الأمد تربط الإنفاق المالي بالمخرجات البيئية والصحية.

العدالة والإنصاف:

قد تتّسع الفجوة الرقمية البيئية إذا استفادت المناطق ذات الموارد من حلول الذكاء الاصطناعي بينما تُترك المناطق المهمشة، ما يفاقم التفاوت.

كما قد تعيد النماذج إنتاج تحيزات تاريخية إذا استندت إلى بيانات غير متوازنة دون تدقيق وتصحيح.

القبول المؤسسي وبناء القدرات:

يتطلب نشر الأنظمة الذكية خبرات متداخلة في علم البيانات والهندسة والبيئة والقانون، وهي غير متوفرة دومًا لدى الهيئات المحلية.

وقد تواجه المؤسسات مقاومة للتحول عن الممارسات التقليدية، ما يستدعي برامج تدريب وتغيير ثقافي تدريجي.

تحسين البيانات وبُنيتها مسارًا للمعالجة:

يعزز اعتماد معايير مفتوحة لوحدات القياس والتردد والميتاداتا دمجَ البيانات وحوكمتها.

وتخفض المعايرة الهجينة بين الحساسات منخفضة التكلفة والمحطات المرجعية باستعمال نماذج تصحيح الانحياز وتزيد الدقة.

ويسهم إثراء البيانات عبر دمج مصادر المرور والطقس والطاقة والأقمار الصناعية، مع برامج جمع مجتمعي خاضعة لضبط الجودة، في سدّ الفجوات.

الأمن السيبراني واستمرار الأعمال:

يشمل التصميم الآمن تشفير البيانات، وإدارة هويات دقيقة، وتقسيم الشبكات، والمراجعات الأمنية الدورية.

وتساعد خوارزميات كشف الشذوذ على تمييز الأعطال التقنية عن التلاعب المتعمد بالبيانات.

كما يتطلب الاستمرار نسخًا احتياطية ومسارات رصد بديلة وخطط استجابة سريعة للحوادث.

أُطر الحوكمة والتنظيم الفعّالة

يجب صياغة سياسات خصوصية تُقلل جمع البيانات الشخصية وتُخفي الهوية عند الحاجة، مع الالتزام بالأطر التنظيمية المعمول بها.

وتدعم هيئات الاعتماد لاختبار أجهزة الاستشعار والخوارزميات المستعمَلة في الإنفاذ، مع نشر نتائج الأداء لزيادة الثقة.

كما يرجَّح إتاحة البيانات والخرائط للجمهور لتعزيز الشفافية والمساءلة.

نماذج تمويل مستدامة

يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن توفّر استثمارات في البنية التحتية ومشاركة للبيانات مع حماية المصلحة العامة.

وتعدّ الحلول منخفضة التكلفة والقابلة للتوسع مثل الحساسات الاقتصادية المعززة بالمعايرة الذكية والبنى السحابية المشتركة مسارًا عمليًا.

ويُفضل ربط التمويل بالمخرجات البيئية والصحية وتقديم تقارير دورية عن الطاقة التي وُفِّرَت وتقليل الانبعاثات.

إنصاف التوزيع ومشاركة المجتمع

تضمن خرائط العدالة البيئية إدراج مؤشرات اجتماعية واقتصادية وصحية في تحديد الأولويات، بما يوجّه التدخلات نحو الفئات الأكثر تعرضًا.

ويُعزَّز إشراك المجتمع في تصميم الشبكات وتحديد مواقع الحساسات ومعايير التنبيه، وتُوفَّر أدوات يسهل استعمالها لغويًا وتقنيًا.

كما ينبغي إجراء تدقيق دوري للانحياز الخوارزمي وتصحيح مسارات البيانات والنمذجة وفق نتائجه.

شبكات الكهرباء

بناء القدرات وتغيير الثقافة المؤسسية

تتطلب الاستدامة الاستثمار في برامج تدريب لصنّاع القرار والمهندسين والفنيين على أساسيات علم البيانات والذكاء الاصطناعي البيئي.

وتُعدّ الفرق متعددة التخصصات -مثل البيئة وعلم البيانات والهندسة والقانون والصحة العامة- الأساس في تصميم حلول متكاملة.

وتتيح المشروعات التجريبية الصغيرة ذات الأهداف والمقاييس الواضحة تعلّمًا سريعًا وتمهيدًا للتوسع التدريجي.

خريطة طريق للتطبيق

تبدأ العملية بتحديد الملوثات ذات الأولوية والجغرافيا والإطار الزمني، يليها جرد مصادر البيانات وتقييم جودتها وحوكمتها.

ثم يُصمَّم المعمار التقني (سحابي/هجين) ومعايير البيانات وقوانين الأمن.

تُبنى نماذج خط أساس سهلة قابلة للتفسير أولًا، مع تجارب ميدانية محدودة ومقاييس أداء واضحة وخطط معايرة وتفسير، ثم يجري التوسع وربط الأنظمة بآليات القرار المؤسسية وأتمتة التحكم مع إشراف بشري.

وتضمن خطط التمويل الطويلة والتحديثات الدورية والمراجعات الأخلاقية والقانونية والمشاركة العامة استدامة الأثر.

أدوات وتقنيات مساندة

تدعم البيانات البيئية والواجهات البرمجية المفتوحة التحليل المكان-زماني.

وتساعد مكتبات التعلم الآلي المتخصصة بالسلاسل الزمنية وتفسير النماذج على بناء حلول موثوقة.

وتُعتمد حساسات غازات وجسيمات منخفضة التكلفة مزودة بـGPS واتصال خلوي، ومقاييس جودة ماء متعددة المعلمات وأجهزة طيفية محمولة.

وتعرض لوحات معلومات تفاعلية خرائط التلوث والتنبؤات والتنبيهات بإتاحة عامة لتعزيز الشفافية.

يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة حقيقية على إحداث نقلة نوعية في رصد التلوث والتنبؤ به وتحديد مصادره والتحكم في العمليات، بما يدعم سياسات أكثر دقة وعدلًا وكفاءة.

غير أن تحقيق هذه القدرة مشروط بجودة البيانات وحوكمتها، وشفافية النماذج وأمن البنية التحتية، وإطار تنظيمي داعم وتمويل مستدام ومشاركة مجتمعية فاعلة.

إن معالجة تحديات التحيز والأمن والعدالة والقبول المؤسسي ليست خيارًا، بل ضرورة لضمان أن يتحول الذكاء الاصطناعي من وعدٍ تقني إلى أداة عملية تُحسن جودة الهواء والماء والتربة، وتحمي الصحة العامة، وتدفع باتجاه انتقال بيئي عادل وشامل.

وفي الجوهر، لا يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ السياسات وأنظمة الإدارة البيئية، بل يسرّع فعاليتها بتحويل البيانات إلى معرفة قابلة للتنفيذ والتنبيهات المتأخرة إلى تدخّل استباقي، لصالح بيئة أنظف وحياة أكثر صحة للجميع.

* الدكتورة هبة محمد إمام - خبيرة دولية واستشارية بيئية مصرية

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى